الشيخ محمد رشيد رضا

573

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فَطَرَ السَّماواتِ ) « 1 » وسالك هذه الطريق قد يغتر في الوقوف على بعض هذه الحجب وقد يغتر بالحجاب الأول . وأول الحجب بين اللّه وبين العبد هو نفسه فإنه أيضا أمر رباني وهو نور من أنوار اللّه تعالى أعني سر القلب الذي تتجلى فيه حقيقة الحق كله حتى أنه ليتسع لجملة العالم ويحيط به وتتجلى فيه صورة الكل ، وعند ذلك يشرق نوره اشراقا عظيما إذ يظهر فيه الوجود كله على ما هو عليه ، وهو في أول الأمر محجوب بمشكاة هي كالساتر له فإذا تجلى نوره وانكشف جمال القلب بعد اشراق نور اللّه عليه ربما التفت صاحب القلب إلى القلب فيرى من جماله الفائق ما يدهشه ، وربما يسبق لسانه في هذه الدهشة فيقول أنا الحق « 2 » فإن لم يتضح له ما وراء ذلك اغتر به ووقف عليه وهلك ، وكان قد اغتر بكوكب صغير من أنوار الحضرة الإلهية ولم يصل بعد إلى القمر فضلا عن الشمس فهو مغرور . وهذا محل الالتباس إذ المتجلي بلتبس بالمتجلى فيه كما يلتبس لون ما يتراءى في المرآة بالمرآة فيظن انه لون المرآة وكما يلتبس ما في الزجاج بالزجاج كما قيل رق الزجاج ورقت الخمر * فتشابها فتشاكل الامر فكأنما خمر ولا قدح * وكأنما قدح ولا خمر وبهذه العين نظر النصارى إلى المسيح فرأوا إشراق نور اللّه قد تلألأ فيه فغلطوا فيه ، كمن رأى كوكبا في مرآة أو في ماء فيظن أن الكوكب في المرآة أو في الماء فيمد يده اليه ليأخذه وهو مغرور » اه

--> ( 1 ) كذا في الأصل وهو مخالف لترتيب التنزيل فان آية التوجه بعد آية البراءة التي هي بعد آية الشمس كما تقدم ( 2 ) رويت هذه الكلمة عن الحلاج من غلاة الصوفية ويشير الغزالي إلى الاعتذار عنه بأن ذلك سبق لسان قد يقع في حال دهشة من الواصل يغيب بها عن نفسه ، ويستغرق في شهود وحدانية ربه ، ويعبرون عن هذه الحالة بالفناء ، ويوضح هذا كلامه الآتي وتمثله بالبيتين المرويين عن الحلاج أيضا ؛ وأول كلمته هذه في المقصد الأسنى بوجهين وصرح في كتاب المحبة من الاحياء بأن هذا القول من الغلو والاسراف ، وتجاوز الحق إلى القول بالحلول والاتحاد . وإذا أردت أيها القارئ تحقيق هذا المقام ، وأخذ لبن حقيقته خالصا من فرث الضلال ودم الأوهام ، فعليك مما كتبه المحقق ابن القيم في شرح الدرجة الثالثة من درجات الفناء من منازل السائرين ، في كتابه المعروف بمدارج السالكين ، ومنه تعلم ما في كلام الغزالي في الأنوار الإلهية ، مبنيا على أساس التوحيد والقواعد الشرعية . وتجد ذلك في ص 243 من الجزء الثالث منه